القرطبي

362

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قلت : قد روي عن مالك جواز المصافحة وعليها جماعة من العلماء . وقد مضى ذلك في " يوسف " ( 1 ) وذكرنا هناك حديث البراء بن عازب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما من مسلمين يلتقيان فيأخذ أحدهما بيد صاحبه مودة بينهما ونصيحة إلا ألقيت ذنوبهما بينهما " . قوله تعالى : " فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولى حميم " أي قريب صديق . قال مقاتل : نزلت في أبي سفيان بن حرب ، كان مؤذيا للنبي صلى الله عليه وسلم ، فصار له وليا بعد أن كان عدوا بالمصاهرة التي وقعت بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم أسلم فصار وليا في الإسلام حميما بالقرابة . وقيل : هذه الآية نزلت في أبي جهل بن هشام ، كان يؤذي النبي صلى الله عليه وسلم ، فأمره الله تعالى بالصبر عليه والصفح عنه ، ذكره الماوردي . والأول ذكره الثعلبي والقشيري وهو أظهر ، لقوله تعالى : " فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم " . وقيل : كان هذا قبل الأمر بالقتال . قال ابن عباس : أمره الله تعالى في هذه الآية بالصبر عند الغضب ، والحلم عند الجهل ، والعفو عند الإساءة ، فإذا فعل الناس ذلك عصمهم الله من الشيطان ، وخضع لهم عدوهم . وروي أن رجلا شتم قنبرا مولى علي ابن أبي طالب فناداه علي يا قنبر دع شاتمك ، وآله عنه ترضي الرحمن وتسخط الشيطان ، وتعاقب شاتمك ، فما عوقب الأحمق بمثل السكوت عنه . وأنشدوا : وللكف عن شتم اللئيم تكرما * أضر له من شتمه حين يشتم وقال آخر : وما شئ أحب إلى سفيه * إذا سب الكريم من الجواب متاركة السفيه بلا جواب * أشد على السفيه من السباب وقال محمود الوراق ( 2 ) : سألزم نفسي الصفح عن كل مذنب * وإن كثرت منه لدي الجرائم فما الناس إلا واحد من ثلاثة * شريف ومشرف ومثل مقاوم

--> ( 1 ) راجع ج 9 ص 266 طبعة أولى أو ثانية . ( 2 ) الأبيات التالية معزوة في كتاب " أدب الدنيا والدين " ص 252 طبع وزارة المعارف إلى الخليل بن أحمد